
مانشيت – متابعات
يوسف عز الدين كامل
في الوقت الذي يستمر فيه خطاب إعلامي وسياسي يجمع الجيش السوداني وقوات الدع_م الس_ريع تحت الصيغة العامة نفسها باعتبارهما «طرفي النزاع»، يرى منتقدو هذا الخطاب أن المساواة في التوصيف قد تنتقل أيضا إلى السياسات الدولية، من دون أن تعكس الفروق التي تظهر على الأرض. ففي منشور على منصة إكس، قالت المنظمة الدولية للهجرة إن أكثر من خمسة ملايين سوداني عادوا إلى ديارهم، ووصفت تجاوز هذا الحاجز بأنه «إشارة نادرة إلى التقدم في أزمة إنسانية ممتدة». ويضع تقريرها التاسع عن النزوح والعودة، الصادر في 20 سبتمبر 2026، العدد عند 5,145,165 عائدا، مقابل 8,583,274 نازحا داخليا. وارتفع عدد العائدين بنسبة 4% خلال شهر واحد، فيما أصبح عدد النازحين أقل بنسبة 26% من الذروة التي سجلتها المنظمة في يناير 2025 عند 11,585,384 شخصا.
الأكثر دلالة هو اتجاه هذه العودة. فقد استقبلت الخرطوم 2,707,261 عائدا، أي 53% من إجمالي العائدين، واستقبلت الجزيرة 1,271,440 عائدا، أي 25%، وجاءت سنار ثالثة بـ262,515 عائدا. وبذلك استقبلت الخرطوم والجزيرة معا 3,978,701 شخصا، أي أكثر من ثلاثة أرباع جميع حالات العودة المسجلة في السودان. وتزداد أهمية هذه الأرقام عند النظر إلى الأسباب التي قدمها العائدون أنفسهم، إذ أفادت 87% من الأسر بأن تحسن الأمن في مناطقها الأصلية كان السبب الرئيسي للرجوع. وبلغت النسبة 100% في الجزيرة، و97% في النيل الأزرق والنيل الأبيض، و95% في نهر النيل، و89% في سنار، و88% في الخرطوم وجنوب دارفور. كما أظهرت بيانات الأسر أن 93% منها تقيم في مساكنها المعتادة رغم الأضرار والدمار الذي أصاب كثيرا من مناطق العودة.
وتكشف التفاصيل داخل الخرطوم والجزيرة حجم الحركة بصورة أوضح. ففي الخرطوم ارتفعت العودة خلال أغسطس وحده بنسبة 8%، وكان 88% من العائدين قادمين من مناطق نزوح داخل السودان و12% من الخارج، كما استقرت 96% من الأسر العائدة في مساكنها المعتادة. وفي الجزيرة جاء 74% من العائدين من النزوح الداخلي و26% من الخارج، وسجلت المنظمة أن جميع الأسر العائدة التي شملها الرصد استقرت في مساكنها المعتادة. وعلى مستوى السودان كله عاد 936,208 أشخاص من الخارج، نصفهم تقريبا من مصر، و25% من جنوب السودان، و10% من ليبيا، و8% من دول الخليج، بينما شكل القادمون من مناطق النزوح الداخلي 82% من جميع العائدين. وفي الاتجاه الآخر، تستضيف ولايات دارفور الخمس نحو 65% من النازحين داخليا، فيما ارتفع النزوح في شمال كردفان خلال أغسطس بنسبة 13% بسبب تزايد انعدام الأمن.
وتصبح مسألة المساواة أكثر أهمية عندما تنتقل من اللغة إلى السياسة. ففي اجتماع مجلس الأمن في 24 أغسطس، عرض المستشار الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس مقترحات تضمنت توسيع حظر السلاح القائم في دارفور ليشمل كامل الأراضي السودانية، وإدخال الطائرات المسيرة وأنظمتها والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاق الحظر. وبعد ذلك طرحت الولايات المتحدة مسودة كان من شأنها توسيع الحظر إلى السودان كله وتطبيقه على جميع الأطراف العاملة في البلاد. واعترضت الدول الإفريقية الثلاث الأعضاء في المجلس، إلى جانب الصين وباكستان وروسيا، على هذا التوجه. وفي مرحلة لاحقة من المفاوضات اقترحت الدول الإفريقية استبدال عبارتي «الأطراف المتحاربة» و«جميع الأطراف» بصياغة تركز على «جميع الجهات المسلحة غير الحكومية»، بما فيها قوات الدعم السريع، مع نص يؤكد أن التدابير لا تستهدف السلطات السودانية. وانتهت الخلافات إلى تمديد تقني لمدة شهر للنظام القائم في دارفور، بدلا من اعتماد التوسيع المقترح.
وهنا يلتقي الجدل حول حظر السلاح مع ما تسجله حركة السكان. فمنتقدو توسيع الحظر على أساس «جميع الأطراف» يرون أن وضع تدفقات السلاح إلى جهات مختلفة تحت معاملة واحدة قد يتجاهل مسائل جوهرية، منها صفة الجهة التي تتلقى السلاح، وطبيعة الأهداف التي تستخدم القوة ضدها، وأنماط الاستخدام، والنتائج التي تتركها على السكان. فوجود النوع نفسه من السلاح لدى طرفين لا يعني بالضرورة تطابق طريقة استخدامه أو أثره. ومن هذا المنظور، تصبح الوقائع الميدانية جزءا مهما من تقييم أي سياسة تسعى إلى فرض قيود متساوية على أطراف تختلف في طبيعتها ووضعها ومسارات استخدامها للقوة.
وفي هذا السياق تكتسب بيانات المنظمة الدولية للهجرة قيمة خاصة. فهي لا تحسم وحدها الأسئلة القانونية المتعلقة بحظر السلاح أو مسؤولية أي طرف، لكنها تقدم مؤشرا مستقلا يمكن إدخاله في النقاش: أين تتزايد العودة، وأين يستمر النزوح، وما الذي يقوله السكان أنفسهم عن أسباب قرارهم؟ أكثر من ثلاثة أرباع العائدين المسجلين توجهوا إلى الخرطوم والجزيرة، وتحسن الأمن تصدر أسباب العودة بفارق كبير، فيما تستمر موجات النزوح في مناطق أخرى تشهد انعداما للأمن. ولهذا يرى منتقدو خطاب المساواة أن هذه الفروق ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار قبل تحويل عبارة «طرفي النزاع» إلى سياسة تتعامل مع جميع الأطراف بالطريقة نفسها.
وتبقى العبارة التي استخدمتها المنظمة الدولية للهجرة ذات دلالة خاصة: تجاوز حاجز الخمسة ملايين عائد يمثل «إشارة نادرة إلى التقدم في أزمة إنسانية ممتدة». وبينما يدور النقاش الدولي حول حظر السلاح وطريقة التعامل مع أطراف الحرب، تقدم حركة ملايين السودانيين واقعا ميدانيا لا يمكن تجاهله عند صياغة تلك السياسات، أين يشعر الناس بأن الأمن تحسن بما يكفي للعودة إلى منازلهم، وأين ما زال النزوح مستمرا.
#السودان
#الدعم_السريع_منظمة_إرهابية
#الإمارات_تقتل_السودانيين
#الإمارات_ترعى_الإرهاب






